الصالحي الشامي
186
سبل الهدى والرشاد
فأحطنا بالحاضر ، فسمعت رجلا يصرخ : يا خضرة ، فتفاءلت وقلت : لأصيبن خيرا ولأجمعن إلي امرأتي ، وقد أتيناهم ليلا . قال : فجرد أبو قتادة سيفه وكبر ، وجردنا سيوفنا وكبرنا معه فشددنا على الحاضر وقاتلنا رجالا ، وإذا أنا برجل طويل قد جرد سيفه وهو يمشي القهقرى ، مرة يقبل علي بوجهه ، ومرة يدبر عني بوجهه ، كأنه يريد أن يستطردني فأتبعه ، ثم يقول : يا مسلم هلم إلى الجنة فأتبعه ، ثم قال : إن صاحبكم لذو مكيدة أمره هذا الامر ، وهو يقول الجنة الجنة ، يتهكم بنا ، فعرفت انه مستقتل فخرجت في أثره وناديت أين صاحبي ؟ لا تبعد فقد نهانا أميرنا عن أن نمعن في الطلب فأدركته وملت عليه فقتلته ، وأخذت سيفه ، وقد جعل زميلي يناديني أين تذهب ؟ اني والله ان ذهبت إلى أبي قتادة فسألني عنك أخبرته . قال : فلقيته قبل أبي قتادة . فقلت : أسأل ا لأمير عني ؟ قال : نعم وقد تغيظ علي وعليك . وأخبرني انهم قد جمعوا الغنائم وقتلوا من أشرافهم . فجئت أبا قتادة فلامني فقلت : قتلت رجلا كان من أمره كذا وكذا وأخبرته بقوله كله . ثم سقنا النعم وحملنا النساء وجفون السيوف معلقة بالاقتاب ، فأصبحت وبعيري مقطور بامرأة كأنها ظبي . فجعلت تكثر الالتفات خلفها وتبكي ، فقلت : إلى أي شئ تنظرين ؟ قالت : انظر وا لله إلى رجل لئن كان حيا لاستنقذنا منكم . فوقع في نفسي انه هو الذي قتلت . فقلت : قد والله قتلته ، وهذا والله سيفه معلق بالقتب . قالت : فألق إلي غمده . فقلت : هذا غمد سيفه . قالت : فشمه ان كنت صادقا . قال : فشمته فطبق . قال : فبكت ويئست . وفي حديث ابن إسحاق : قال عبد الله بن أبي حدرد : فخرجنا ومعنا سلاحنا من النبل والسيوف حتى إذا جئنا قريبا من الحاضر ( عشيشية ) مع غروب الشمس كمنت في ناحية وأمرت صاحبي فكمنا في ناحية أخرى من حاضر القوم ، وقلت لهما : إذا ( سمعتماني قد ) كبرت وشددت في ناحية العسكر فكبرا وشدا معي . قال : فوالله انا لكذلك ننتظر غرة القوم أو أن نصيب منهم شيئا غشينا الليل فذهبت فحمة العشاء ، وكان راعيهم قد أبطأ عليهم حتى تخوفوا عليه . فقام صاحبهم رفاعة بن قبس فأخذ سيفه فجعله في عنقه ثم قال : والله لأتبعن أثر راعينا هذا فلقد أصابه شر . فقال بعض من معه . نحن نكفيك فلا تذهب . فقال : والله لا يذهب الا أنا . فقالوا : ونحن معك . قال : والله لا يتبعني أحد منكم . وخرج حتى مر بي ، فلما أمكنني نفحته بسهم فوضعته في فؤداه فوالله ما تكلم ووثبت إليه فاحتززت رأسه وشددت في ناحية العسكر وكبرت وشد صاحباي وكبرا . فوالله ما كان الا النجاء ممن فيه عندك عندك بكل ما قدروا عليه من نسائهم وأبنائهم وما خف معهم من أموالهم واستقنا إبلا عظيمة وغنما كثيرة .